اسماعيل بن محمد القونوي
343
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
قوله : ( أو لجعلنا بدلكم ) فمن بدلية لا ابتدائية ولا تبعيضية كما في قوله تعالى : أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ [ التوبة : 32 ] أي بدل الآخرة فعلى هذا يكون المعنى الملائكة يكونون مكانكم وبدلكم بعد إهلاككم بطريق الاستئصال وهذا المعنى خال عن التكلف لكن لا مساس لهذا المقام إذ المقصود بيان أنهم لا يصلحون للعبادة ولا يتم إلا بالاحتمال الأول فإن المعنى حينئذ الملائكة يكونون نسلا لكم بالتوليد منكم بدون أم ولا نطفة أيضا كما هو المتبادر فمن شأنهم بهذه المثابة بالنسبة إلى القدرة التامة كيف يتوهم استحقاقهم للمعبودية وانتسابهم إليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا فالتعرض للبدلية غير مناسب . قوله : ( ملائكة يخلفونكم في الأرض والمعنى أن حال عيسى عليه السّلام وإن كانت عجيبة فاللّه تعالى قادر على ما هو أعجب من ذلك وأن الملائكة مثلكم من حيث إنها ذوات ممكنة يحتمل خلقها توليدا كما جاز خلقها إبداعا فمن أين لهم استحقاق الألوهية والانتساب إلى اللّه سبحانه وتعالى ) والمعنى أن حال عيسى عليه السّلام مراده بيان وجه ذكر حال الملائكة قوله من حيث إنها ذوات الخ بيان قوله مثلكم أي أن الملائكة ممكنة حادثة لم يتعرض الحدوث إذ علة الاحتياج إلى العلة هي الإمكان على ما اختاره المصنف فإذا كان كذلك يحتمل خلقها توليدا بالطريق المذكورة لأن منشأ خلقهم الإمكان فيحتمل الأمرين ثم فرع عليه قوله فمن أين لهم الخ وإنما قال ذوات أي ذوات موجودة قائمة بأنفسها وهذا القدر متفق عليه فذهب أكثر المسلمين إلى أنها أجسام لطيفة قادرة على التشكل بأشكال مختلفة وقالت النصارى هي النفوس الفاضلة البشرية المفارقة للأبدان وزعم الحكماء أنها جواهر مجردة مخالفة للنفوس الناطقة في الحقيقة كذا قاله المصنف في أوائل البقرة وهنا أشار إلى هذه الأقاويل حيث قال ذوات ممكنة ولم يقل أجسام أو جواهر الخ فالصحيح أنهم أجسام الخ فقول المحشي يحتمل خلقها توليدا لأن الأجسام متماثلة فيجوز على كل منها ما يجوز على الآخر ذهول عن مراد المص لأنه لم يصرح بأنها أجسام لما ذكرناه وإن كان الصحيح ذلك ملائكة في الأرض أي مستقرين فيها كما جعلناهم في السماء يخلفون يخلفونكم مثل أولادكم في جميع الأمور ويباشرون الأفاعيل المنوطة بمباشرتكم . قوله تعالى : [ سورة الزخرف ( 43 ) : آية 61 ] وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِها وَاتَّبِعُونِ هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) قوله : ( وإنه وإن عيسى عليه السّلام لعلم ) شروع في بيان بقية قصته فقوله : وَلَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا [ الزخرف : 60 ] الآية كالجملة المعترضة . قوله : ( لأن حدوثه أو نزوله من أشراط الساعة يعلم به دنوها ) حدوثه أي خلقه على وجه بديع وهو الظاهر أو ظهور إرساله أو نزوله من أشراط الساعة جمع شرط بفتحتين بمعنى العلامة قوله يعلم به دنوها أشار به إلى أن حمل علم عليه السّلام للمبالغة لكونه سببا للعلم ولكماله في السببية جعل كأنه عين علم وإلى أن المعلوم قرب الساعة لا نفسها .